أبو البركات بن الأنباري

8

البيان في غريب اعراب القرآن

قوله تعالى : « وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ » ( 3 ) . تولّوا ، أصله تتولّوا ، فحذفت إحدى التاءين لأنّه اجتمع حرفان متحركان من جنس واحد ، فاستشقلوا اجتماعهما ، فحذفوا إحداهما تخفيفا ، ومنهم من ذهب إلى أنّ المحذوفة الثانية ، ومنهم من ذهب إلى أنّ المحذوفة الأولى وهي تاء المضارعة . والذي أذهب إليه أنّ المحذوفة الثانية ، لا تاء المضارعة ، لأنّ تاء المضارعة زيدت لمعنى ، والتاء الثانية لم تزد لمعنى ، فكان حذفها وتبقية الأولى أولى . قوله تعالى : « وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ » ( 9 ) . اللام في ( لئن ) ، موطّئة لقسم مقدّر ، وليست جوابا للقسم ، وإنّما جوابه قوله : إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ . وأعنى جواب القسم عن جواب الشّرط ، ولهذا قال تعالى : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) « 1 » فرفع ( لا يأتون ) على أنّه جواب القسم الّذى هيّأته اللّام ، وتقديره ، واللّه لا يأتون . ولو كان جواب الشّرط ، لكان مجزوما ، فلمّا رفع دلّ على أنّه جواب القسم ، واستغنى به عن جواب الشّرط ، كقول الشاعر : 97 - لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها * وأمكنني منها إذن لا أقيلها « 2 » فرفع ( لا أقيلها ) لأنّ تقديره ، واللّه لا أقيلها ، ولو كان جواب الشّرط لقال : ( لا أقلها ) بالجزم ، واستغنى بجواب القسم عن جواب الشرط .

--> ( 1 ) 88 سورة الإسراء . ( 2 ) من شواهد سيبويه 1 - 412 وقد عزاه إلى كثير عزة .